مجمع البحوث الاسلامية

599

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ذكر بعد ذلك بقليل « وإنّي قد خبّرتكم بهذا قبل أن يكون حتّى إذا كان ذلك تؤمنون » . وثانيها : ذكر في الإصحاح السّادس عشر هكذا « ولكن أقول لكم الآن حقّا يقينا انطلاقي عنكم خير لكم ، فإن لم أنطلق عنكم إلى أبي لم يأتكم الفارقليط ، وإن انطلقت أرسلته إليكم ، فإذا جاء هو يفيد أهل العالم ، ويدينهم ويمنحهم ويوقفهم على الخطيئة والبرّ والدّين » . وثالثها : ذكر بعد ذلك بقليل هكذا « فإنّ لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله لكم ، ولكن لا تقدرون على قبوله والاحتفاظ له ، ولكن إذا جاء روح الحقّ ، إليكم يلهمكم ويؤيّدكم بجميع الحقّ لأنّه ليس يتكلّم بدعة من تلقاء نفسه » هذا ما في الإنجيل . فإن قيل : المراد بفارقليط إذا جاء يرشدهم إلى الحقّ ويعلّمهم الشّريعة هو عيسى يجيء بعد الصّلب ؟ نقول : ذكر الحواريّون في آخر الإنجيل أنّ عيسى لمّا جاء بعد الصّلب ما ذكر شيئا من الشّريعة ، وما علّمهم شيئا من الأحكام ، وما لبث عندهم إلّا لحظة ، وما تكلّم إلّا قليلا مثل أنّه قال : « أنا المسيح فلا تظنّوني ميّتا ، بل أنا ناج عند اللّه ناظر إليكم ، وإنّي ما أوحي بعد ذلك إليكم » فهذا تمام الكلام . ( 29 : 313 ) أبو حيّان : ( مصدّقا ومبشّرا ) حالان ، والعامل ( رسول ) أي مرسل و ( يأتي ) و ( اسمه ) جملتان في موضع الصّفة لرسول ، أخبر أنّه مصدّق لما تقدّم من كتب اللّه الإلهيّة ولمن تأخّر من النّبيّ المذكور ، لأنّ التّبشير بأنّه رسول تصديق لرسالته . ( 8 : 262 ) أبو السّعود : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ . . . معطوف على ( مصدّقا ) أي داع إلى تصديقه عليه الصّلاة والسّلام مثله من حيث إنّ البشارة به واقعة في التّوراة ، والعامل فيهما ما في الرّسول من معنى الإرسال لا الجارّ ، فإنّه صلة للرّسول . ( 6 : 243 ) مثله البروسويّ . ( 9 : 497 ) الآلوسيّ : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ . . . معطوف على ( مصدّقا ) وهو داع أيضا إلى تصديقه عليه السّلام ، من حيث إنّ البشارة بهذا الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم واقعة في التّوراة ، كقوله تعالى في الفصل العشرين من السّفر الخامس : منها : أقبل اللّه من سينا وتجلّى من ساعير وظهر من جبال فاران معه الرّبوات الأطهار عن يمينه . وقوله سبحانه في الفصل الحادي عشر من هذا السّفر : يا موسى إنّي سأقيم لبني إسرائيل نبيّا من إخوتهم مثلك ، أجعل كلامي في فيه ، ويقول لهم ما آمره فيه ، والّذي لا يقبل قول ذلك النّبيّ الّذي يتكلّم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه ، إلى غير ذلك . ويتضمّن كلامه عليه السّلام أنّ دينه التّصديق بكتب اللّه تعالى وأنبيائه عليهم السّلام جميعا ، من تقدّم ومن تأخّر . ( 28 : 86 ) الطّباطبائيّ : قوله : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ إشارة إلى الشّطر الثّاني من رسالته عليه السّلام ، وقد أشار إلى الشّطر الأوّل بقوله : مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ . ومن المعلوم أنّ البشرى هي الخبر الّذي يسرّ المبشّر ويفرحه ، ولا يكون إلّا بشيء من الخير يوافيه ويعود إليه . والخير المترقّب من بعثة النّبيّ ودعوته هو انفتاح باب من الرّحمة الإلهيّة على النّاس ، فيه سعادة